الشيخ محمد النهاوندي

438

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَ أنزلنا مَوْعِظَةً نافعة لِلْمُتَّقِينَ والخائفين من اللّه ، وسوء العاقبة من الوعيد ، والتحذير عن المعاصي ، كي تتعظوا بها وتتزجروا عنها . ثمّ لما بيّن سبحانه الأحكام والحدود التي بها ينتظم العالم ، وتتّسق أمور عيش بني آدم ، وكان ذلك من شؤون مديريته للكلّ ، وصف ذاته المقدّسة بكمال التدبير وغاية الحكمة ، أو من شؤون كونه هاديا إلى الخيرات ودليلا منجيا من الظلمات بقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومدبّرهما بقدرته الكاملة وحكمته البالغة ، وسائق الموجودات إلى كمالها اللائق بها برحمته الواسعة ، أو ناظمها أحسن نظام ، أو منوّرهما بالشمس والقمر والكواكب ، أو مظهرهما ومخرجهما من كتم العدم إلى الوجود ، أو مزيّن السماوات بالكواكب ، والأرض بالعلماء ، أو هاد لأهل السماوات ولأهل الأرض ، كما عن ابن عباس وأكثر مفسري العامة « 1 » . وعن الرضا عليه السّلام أيضا « 2 » . وعن البرقي هدى من في السماوات ، وهدى من في الأرض « 3 » . ثمّ بيّن وضوح هدايته بقوله : مَثَلُ نُورِهِ والحالة العجيبة لهدايته التي هي الآيات البيّنات الدالة على توحيده وكمال صفاته ، أو القرآن الذي هو نور ومظهر للصراط المستقيم ، أو الرسول الهادي إلى الدين القويم ، أو معارفه في قلوب المؤمنين كما عن ابن عباس « 4 » كَمِشْكاةٍ ومثل كوّة غير نافذة في الجدار موصوفة بأن « 5 » فِيها مِصْباحٌ وسراج ضخم مثير ثاقب يكون ذلك الْمِصْباحُ موضوعا فِي زُجاجَةٍ وقنديل صاف أزهر متلألئ ، تلك الزُّجاجَةُ بحيث تكون من غاية تلألوءها كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مضيء متلأليء من الكواكب الدراري المشهورة كالمشتري والزّهرة والمرّيخ وعطارد وزحل و يُوقَدُ ويشتعل ذلك المصباح بدهن مِنْ دهن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ عظيمة النفع ، أو النابتة في الأرض المباركة ، تسمّى بشجرة زَيْتُونَةٍ التي دعا عليها سبعون نبيا منهم الخليل كما قيل « 6 » لا شَرْقِيَّةٍ تطلع عليها الشمس حين طلوعها دون غيرها وَلا غَرْبِيَّةٍ تقع عليها حين غروبها فقط ، بل تكون بين الجهتين كالشام ، فتكون ثمرتها في غاية النّضج ، وزيتها في غاية الصفاء ، لشروق الشمس عليها كلّ حين . وقيل : يعني أنها لا توصف بالشرقية والغربية لأنّها من شجر الجنّة « 7 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 23 : 224 ، تفسير أبي السعود 6 : 175 ، تفسير روح البيان 6 : 153 . ( 2 و 3 ) . التوحيد : 155 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 538 . ( 4 ) . تفسير الرازي 23 : 233 . ( 5 ) . كذا ، والسياق يقتضي نصب كلمة ( مصباح ) وما بعدها ، إلّا أن تكون ( أن ) مخفّفة من الثقيلة مهملة . ( 6 ) . مجمع البيان 7 : 225 ، تفسير الرازي 23 : 236 ، تفسير روح البيان 6 : 155 . ( 7 ) . تفسير الرازي 23 : 236 ، تفسير روح البيان 6 : 155 .